سيد قطب

2544

في ظلال القرآن

هذه السورة المكية تبدو كلها وكأنها إيناس لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وتسرية ، وتطمين له وتقوية وهو يواجه مشركي قريش ، وعنادهم له ، وتطاولهم عليه ، وتعنتهم معه ، وجدالهم بالباطل ، ووقوفهم في وجه الهدي وصدهم عنه . فهي في لمحة منها تصور الإيناس اللطيف الذي يحيط به اللّه عبده ورسوله ؛ وكأنما يمسح على آلامه ومتاعبه مسحا رفيقا ؛ ويهدهد قلبه ، ويفيض عليه من الثقة والطمأنينة ، وينسم عليه من أنسام الرعاية واللطف والمودة . وهي في اللمحة الأخرى تصور المعركة العنيفة مع البشرية الضالة الجاحدة المشاقة للّه ورسوله ، وهي تجادل في عنف ، وتشرد في جموح ، وتتطاول في قحة ، وتتعنت في عناد ، وتجنح عن الهدى الواضح الناطق المبين . إنها البشرية التي تقول عن هذا القرآن العظيم : « إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ » . . أو تقول : « أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا » والتي تقول عن محمد رسول اللّه الكريم : « إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً » . . أو تقول في استهزاء : « أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ؟ » . . والتي لا تكتفي بهذا الضلال ، فإذا هي تتطاول في فجور على ربها الكبير : « وَإِذا قِيلَ لَهُمُ : اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا : وَمَا الرَّحْمنُ ؟ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا ؟ وَزادَهُمْ نُفُوراً » . أو تتعنت فتقول : « لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا ؟ » . وهي هي من قديم كما يرسمها سياق السورة من عهد نوح إلى موقفها هذا الأخير مع رسولها الأخير . . لقد اعترض القوم على بشرية الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقالوا : « ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ؟ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ! » واعترضوا على حظه من المال ، فقالوا : « أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها » . واعترضوا على طريقة تنزيل القرآن فقالوا : « لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة ! » .